محمود سالم محمد
18
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
للعصر المملوكي ، إلا أن المديح النبوي قد اتسع ورسخ واتضحت معالمه في العصر المملوكي ، وأضحت له تقاليده وأصوله ، وظهر الشعراء الذين اشتهروا به وأجادوه ، فشغلت المدائح النبوية قدرا كبيرا من دواوين الشعراء ، ثم استقلت بدواوين خاصة بها . إن السيرورة التي رزقها فن المدائح النبوية ، لم تتهيأ في العصر المملوكي لفن شعريّ آخر ، فنكاد لا نجد شاعرا من هذا العصر لم تكن له مشاركة في هذا الفن الشعري ، وبلغ من الانتشار والكثرة والاتساع حدا استعصى معه على الحصر ، وأي نظرة على فهرس مخطوطات أية مكتبة تثبت ذلك ، وتجعل المرء في عجب من مشاركة معظم الشعراء في هذا الفن ، فكيف تهيأت لهم المشاركة بعد أن أفنى غيرهم أعمارهم في نظمه والتفنن فيه ؟ . وتميز قدر كبير من المدائح النبوية بطول لم نعهده في الشعر العربي ، فتجاوز عدد أبياتها المئين ، وذكرت قصائد مفرطة في الطول ، يكاد المرء لا يصدق أن قصيدة عربية بلغت هذا العدد من الأبيات . ومما يدل على احتفال الشعراء بفن المديح النبوي ، إطلاق أسماء مختلفة على القصائد النبوية ، فهذه ( البردة ) ، وتلك ( نهج البردة ) ، وهذه اسمها ( تفصيل البردة ) ، وتلك ( أمان الخائف ) ، وأخرى اسمها ( ذخر المعاد على وزن بانت سعاد ) ، فقصائد البوصيري وعائشة الباعونية مثلا ، كلها لها أسماء ، واحدة اسمها ( الغرر في مدح سيد البشر ) ، وأخرى اسمها ( الفتح المبين ) ، وثالثة ( فتوح الحق ) ، وهكذا . . . فما السبب وراء هذا الاتساع الكبير في فن المدائح النبوية ؟ وما دواعي الإكثار منه ؟ وما الغاية المتوخاة من وراء هذه الكثرة الكاثرة من المدائح ؟ . إن إمعان النظر في جوانب العصر المملوكي المختلفة ، وفي المدائح التي قيلت فيه ، يقودنا إلى بعض الأسباب الظاهرة التي دفعت الشعراء إلى الاتساع في نظم المدائح النبوية ، نستطيع إرجاعها إلى أسباب سياسية وأسباب اجتماعية ، وأسباب دينية ، إضافة إلى الانسياق وراء التوجه العام والتقليد .